الصين تعيد ضبط إيقاع السوق: لماذا باعت الدولة أسهماً بـ68 مليار دولار الآن؟

الصين تعيد ضبط إيقاع السوق: لماذا باعت الدولة أسهماً بـ68 مليار دولار الآن؟

لم تكن التحركات الأخيرة في سوق الأسهم الصينية مجرد عمليات جني أرباح عابرة، بل عكست تحولاً مدروساً في فلسفة إدارة السوق لدى بكين، التي انتقلت من دور المنقذ الصامت إلى لاعب يهدف إلى تهدئة الصعود المفرط ومنع تشكل فقاعات خطرة.

فقد كشفت بيانات حديثة عن انسحاب صيني من أسهم بقيمة تقارب 68 مليار دولار، في خطوة أربكت المستثمرين وفتحت باباً واسعاً للتساؤلات حول مستقبل السوق.

لسنوات طويلة، استمد المستثمرون شعوراً بالطمأنينة من وجود ما يُعرف بـالفريق الوطني، وهو شبكة من الكيانات الاستثمارية الحكومية التي كانت تتدخل بهدوء لامتصاص الصدمات الحادة وحماية السوق من الانهيارات المفاجئة.

لكن الأسبوع الماضي حمل إشارة مختلفة تماماً، مفادها أن الدولة لم تعد تكتفي بالدعم غير المشروط، بل باتت مستعدة للبيع أيضاً عندما ترى أن الأسعار تجاوزت مستوياتها العادلة.

من الدعم الأحادي إلى التداول ثنائي الاتجاه

أظهرت التدفقات المالية الخارجة القياسية من الصناديق المتداولة في البورصة، التي يحتفظ بها صندوق «سنترال هويجين إنفستمنت»، أن الصين انتقلت إلى نهج أكثر مرونة.

فبحسب تقديرات «بلومبرغ إنتليجنس»، جرى بيع ما قيمته 67.5 مليار دولار عبر 14 صندوقاً خلال ست جلسات تداول فقط، وهو رقم غير مسبوق من حيث السرعة والحجم.

هذا التحول يعني عملياً أن الفريق الوطني لم يعد صمام أمان يعمل في اتجاه واحد، بل أصبح أداة لإدارة الدورة السوقية صعوداً وهبوطاً.

ويرى محللون أن هذه السياسة قد تغيّر سلوك المتعاملين، إذ لم يعد بالإمكان الرهان على تدخل حكومي دائم لدعم الأسعار.

استهداف المضاربات لا السوق بأكمله

رغم ضخامة الأرقام، لا يرى كثير من المستثمرين أن عمليات البيع تستهدف السوق الصينية ككل، بل تركز على قطاعات شهدت اندفاعاً مضاربياً سريعاً، وعلى رأسها أسهم التكنولوجيا المتقدمة والرقائق وتطبيقات الذكاء الاصطناعي.

فهذه القطاعات سجلت مكاسب قوية خلال فترة قصيرة، في وقت لا تزال فيه الربحية طويلة الأجل غير واضحة.

وفي هذا السياق، قال تشين دا، مؤسس شركة «دانتي ريسيرتش»، إن تحركات لاعب بحجم الفريق الوطني قد تكون كافية وحدها لتغيير توقعات السوق، حتى لو لم تكن موجهة لإحداث هبوط واسع النطاق.

تشديد القواعد التنظيمية يرافق البيع

تزامنت عمليات البيع مع خطوات تنظيمية تهدف إلى تشديد قواعد التمويل بالاستدانة، في إشارة واضحة إلى قلق السلطات من المكاسب السريعة التي قد تقود إلى اختلالات هيكلية.

ويُنظر إلى هذا التزامن على أنه رسالة مزدوجة: السوق مرحب بها في مسار صاعد، لكن دون اندفاع مفرط أو اعتماد مفرط على الرافعة المالية.

وخلال الشهر الماضي، ارتفع مؤشر «سي إس آي 300» الأوسع نطاقاً بنحو 1.8%، بينما قفز مؤشر «ستار 50» الذي يضم شركات رقائق بنسبة 16%، وهو ما عزز مخاوف من تسارع غير صحي في بعض الزوايا.

قراءة جديدة لسلوك المستثمرين

أمام هذا المشهد، بدأ بعض مديري الصناديق بتعديل استراتيجياتهم.

إذ يرى وو وي، مدير صندوق في شركة «بكين وين إنتغريتي إنفستمنت مانجمنت»، أن التركيز على الأسهم التي يملك فيها الفريق الوطني حصصاً أقل قد يكون خياراً أكثر أماناً في المرحلة الحالية، لتجنب الوقوع في موجات بيع مفاجئة.

هذا التغير في السلوك يعكس إدراكاً متزايداً بأن الدولة لم تعد ضامناً دائماً للارتفاعات، بل أصبحت لاعباً يسعى إلى إدارة المخاطر الكلية للسوق.

قدرة مالية ضخمة ما تزال متاحة

رغم حجم المبيعات، تشير التقديرات إلى أن «سنترال هويجين» ما يزال يمتلك قدرات مالية كبيرة.

فقد جمع الصندوق أصولاً بنحو 180 مليار دولار في الصناديق المتداولة حتى نهاية أغسطس 2025.

غير أن عمليات التصفية الأخيرة تعني أن جزءاً من هذه القوة استُخدم بالفعل لتهدئة الارتفاعات.

ويرى محللو «بلومبرغ إنتليجنس» أن حجم البيع يعكس جهداً استباقياً لتسهيل تصحيح الأسعار في القطاعات التي ارتفعت بوتيرة سريعة، مع الإبقاء على القدرة على التدخل لاحقاً عند الحاجة.

إشارات السوق خلال جلسات التداول

في جلسات التداول الأخيرة، لاحظ المستثمرون نمطاً متكرراً يتمثل في كبح المكاسب اليومية للمؤشرات مع ارتفاع أحجام التداول في الصناديق المتداولة المرتبطة بها.

وغالباً ما يُفسر هذا النمط على أنه إشارة غير مباشرة إلى قيام الفريق الوطني بالبيع عند مستويات معينة.

وعلى سبيل المثال، شهدت صناديق مؤشر «سي إس آي 1000» ارتفاعاً ملحوظاً في أحجام التداول مع صعود المؤشر، قبل أن يعاود التراجع، في سيناريو تكرر أكثر من مرة خلال أسبوع واحد.

هل البيع إشارة سلبية أم خطوة صحية؟

رغم المفاجأة التي أحدثتها هذه التحركات، يرى عدد متزايد من المحللين أنها قد تكون خطوة إيجابية على المدى المتوسط.

فقد تراجعت التقلبات قصيرة الأجل إلى أدنى مستوياتها منذ مايو الماضي، وهدأ نشاط التداول مقارنة بالفترات المحمومة التي سجلت أحجاماً قاربت 4 تريليونات يوان.

وتؤكد يانغ رويي، مديرة صندوق في «شنغهاي بروسبكت إنفستمنت مانجمنت»، أن قراءة بيع الصناديق الحكومية يجب أن تكون في إطار سوق صاعدة هيكلية وبطيئة، وليس كإشارة إلى نهاية الاتجاه الصعودي.

منع تكرار سيناريو 2015

أحد الأهداف غير المعلنة لهذه السياسة يتمثل في تجنب تكرار سيناريو عام 2015، حين شهدت السوق الصينية صعوداً جامحاً أعقبه انهيار حاد.

ويشير تشو تشن شين، رئيس أبحاث الاستثمار في «أسيمبتوت إنفستمنت ريسيرتش»، إلى أن البيع في الوقت الحالي يتيح للدولة إعادة بناء مراكز يمكن استخدامها لاحقاً لدعم السوق عند بروز مخاطر حقيقية.

هل تعود موجة الصعود بقيادة التكنولوجيا؟

مع تراجع الضغوط البيعية تدريجياً، يتوقع بعض المستثمرين أن تعود موجة الصعود، خصوصاً في قطاع التكنولوجيا، عندما يتضح أن ما تبقى للبيع من جانب الفريق الوطني محدود.

فالطلب القوي على أسهم التكنولوجيا، خاصة المرتبطة بسلاسل توريد الرقائق والفضاء والذكاء الاصطناعي، يجعل من الصعب كبح الحماس بالكامل.

في المحصلة، تعكس خطوة بيع الأسهم بقيمة 68 مليار دولار تحولاً نوعياً في إدارة السوق الصينية.

فهي ليست انسحاباً من دعم السوق، بل إعادة ضبط للإيقاع تهدف إلى تحقيق صعود أكثر استدامة، وتقليل مخاطر الفقاعات، وبناء سوق أكثر نضجاً على المدى الطويل.